وهبة الزحيلي

205

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قال : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ فالشمس تشرق صيفا من مدار السرطان في نصف الكرة الشمالي ، ومن مدار الجدي في الجنوب صيفا ، حيث يكون الشتاء في الشمال ، فلو ثبتت الشمس في شروق وغروب واحد لتعطلت المواسم والزراعة في الصيف والشتاء . وبعد بيان نعم اللّه في البر ، ذكر نعمه في البحر ، فقال : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ أي أرسل البحرين ملحا وعذبا متلاقيين ، لا فصل بينهما في مرأى العين ، ومع ذلك فبينهما حاجز يحجز بينهما ، لا يبغي أحدهما على الآخر ، بالامتزاج والاختلاط ، وإنما يظلان منفصلين ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ : هذا عَذْبٌ فُراتٌ ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً [ الفرقان 25 / 53 ] . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي فبأي هذه النعمة أو المنفعة تكذبان أيها الإنسان والجن ؟ فالعذب للشرب وسقي النبات والحيوان ، والملح لتطهير تجمع الماء من الجراثيم ، وإصلاح طبقة الهواء ، وإخراج اللؤلؤ والمرجان ، كما قال تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ أي يخرج من أحدهما - على حذف مضاف - وهو الملح اللُّؤْلُؤُ : وهو الدّر الذي يتكون في الصدف ، وَالْمَرْجانُ : الخرز الأحمر المعروف . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فبأي نعم اللّه الظاهرة لكم تكذبان يا معشر الجن والإنس ؟ فإن في ذلك من الآيات ما لا يستطيع أحد تكذيبه ، ولا يقدر على إنكاره . وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ أي واللّه الذي خلق وألهم صنع